سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي

155

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس

وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه ، حتى قطع مسافتها وما بل بحرها صوفه : كانوا جمال زمانهم فتصدعوا * فكأنما لبس الزمان الصوفا فبنى رحمه اللّه على مقتضى طريقتهم ، وفضل الفقر إذ كان مرتضى حقيقتهم ، وهو الحق الذي لا ريب فيه ، والانصاف الذي يرتضيه الأديب ويصطفيه ، ولا يعارض في مراد مفاده قل من حرم زينة اللّه التي اخرج لعباده ، فان من ذاد نفسه عن حلول هذه الساحه ، وخشي ان يغرق عند تلاطم الأمواج وان كان متقنا للسباحه ، لا يلزمه ان يقول بالتحريم وعدم الإباحة : واحزم الناس من لو مات من ظمأ * لم يقرب الورد حتى يعرف الصدرا وأما أرباب العصمة : فهم البريئون من كل وصمه ، فإنهم شاهدوا حظهم الأوفر الأسمى ، فلم يثبتوا لما دونه رسما ولا اسما ، وقصروا نظرهم على الخالد الباقي ، واتقوا ان تطأ أقدامهم الأرض وهم في أعلى المراقى ، ومن ورد البحر استقل السواقي ، فلما تأملت تلك المقامة ، رأيت مبنى الأفضلية على أن جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف ، وأكثر مقيلا في ظلها الوارف ، وأقدر على ابراز الصواب ، عند السؤال والجواب ، لا على إقامة الدليل والبرهان بالأفضلية ، وجعل السابق في هذا صاحب الأولوية ، على أن هذا الميدان هو مجر العوالي ومجرى السوابق وفيه تزدحم كتائب فرسان الحقائق ، وتلتحم مناكب النظارة من الخلائق ، إذا لناس لعدم خلوهم من أحد الوصفين ، ينقسمون إلى صنفين ، وينتظمون في صفين ، وكل يحتج لصاحبه بالصفات الواقعية المرضية ، لا المجازية الفرضية ، فأحببت أن اجول في هذا المجال ، ولو بالمحال ، وانسج على هذا المنوال ، على وهن القدرة وضعف الحال ، وقصور عامل الفضل على التسلط على هذه الحال اعترافا منى بالتقصير ، واسعافا بطلب المسامحة لباعي القصير : ومن يعص أطراف الزجاج فإنه * يطيع العوالي ركبت كل لهزم فبنيت هذا المقصد على وضع غريب ، وترتيب يهش له الأديب الاريب ،